الأسرار النفسية لهزائم صدام العسكرية

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
02/04/2011 06:00 AM
GMT



عند تحليل شخصية صدام حسين السياسية وربطها بموضوع الدوافع والتصعيد النفسي نعثر على حقائق مثيرة، لكنها مؤذية في الوقت عينه. يقودنا تحليل سلوك صدام السياسي بواسطة أدوات علم النفس، وليس من طريق التكهنات السياسية والجمل الانشائية العاطفية، الى نتائج ربما استهجنها الفرد العراقي ووقف منها موقف المتشكك، وعلى وجه التحديد الأسئلة التي تربط الفردي بالاجتماعي، والأسئلة التي تجيب عن السؤال الممل والمكرر: من يصنع الديكتاتور؟
تقع الفترة النموذجية لدراسة شخصية صدام حسين سريرياً، في الحقبة التي ظهر فيها رئيساً وقائداً وحيداً بلا منازع. ففي تلك المرحلة غدا الديكتاتور مادة مكتملة النضج داخلياً كحالة للمعاينة، قائمة بذاتها وبمكوّناتها الشخصية، بصرف النظر عن علاقاتها بالمحيط الاجتماعي والخارجي: العائلة، العشيرة، الحزب، الدولة، المنطقة، الوطن، دول الجوار، العالم.

بين الداخل والخارج

ينقسم سلوك صدام حسين السياسي ذو الطبيعة العنفية والعدوانية قسمين رئيسيين متمايزين تمايزاً نوعياً بيّناً وكبيراً: النشاط العدواني الموجه الى الداخل، والنشاط العدواني الموجه الى الخارج. تميز نشاطه الداخلي بحسن الإدارة، وبالتخطيط المنظم، الهادئ، المتكتم، الذي يُعنى عناية تامة بالتفاصيل الصغيرة، وحتى بالمساحيق الإضافية، والأهم من ذلك كله عنايته الشخصية والمباشرة بالضربة الحاسمة. في دراسات سابقة كشفنا وجود ظاهرة سلوكية غريبة هنا، هي أن صدام حسين كان يخطط للنقلة الأخيرة أفضل من التخطيط للأسباب، وتستحوذ عليه النهايات أكثر من المقدمات، فيخطط للضربة الأخيرة بمهارة قبل تخطيط سبل تحقيق الخطوات التمهيدية. سبب هذا التناقض يعود الى تناقض دوافعه الظاهرة، التي تبرز لنا في العلن سافرة ومرئية، ودوافعه المستبطنة التي لا ترى. هذا الأمر يسري على نواحي سلوكه كلها. لذلك اعتقد جميع من كتب عنه أنه كان مستمعا جيدا، بينما يجد الدارس المتفحص عكس ذلك تماما، فقد كان أعظم الطرشان، وما كان أصغاؤه سوى تمثيل حاذق ومصانعة. فلم يصغ صدام الى أحد قط. كان يصغي الى نفسه فحسب، وكان يتمعن في قراره النهائي الحاسم المتخذ سلفا وهو يتظاهر بالإصغاء. لذلك أوهم الجميع بمقدرته الفريدة على الاستماع. كان صدام مستمعا فاشلا. كان عظيم الشرود شعوريا. إن التناقض بين الظاهر والباطن، والتناقض بين البداية والنهاية، نجدها مرسومة بوضوح على أفعاله حين يتخذ قرارا بوضع نهاية ما لخصم، أو تيار، أو موضوع ما. كان يعود الى ترتيب الأوراق، ويبدأ بوضع لمساته عليها بعناية، وهذا ما يظهره بمظهر الصبور والمتأني، لكنه كان يستعجل النهاية في داخله، لذلك نراه يسرع، وربما يهمل بعض خطوات التنفيذ طمعا في الوصول الى النهاية الحاسمة. إن الخلاصة النفسية التي نصل اليها هنا، أن صدام كان يجيد التحكم والانضباط، الى حد كبير، حينما يمارس نشاطه داخليا. وما الاخفاقات أو الهنات في هذا النشاط سوى جمل اعتراضية محتملة ملازمة للفعل البشري، تحدث تحت تأثير عوامل كثيرة. أما الثابت في معادلة التحكم بالسلوك والنشاط العدواني فهو جودة النتائج على الصعد كافة، الشخصية والعامة. نعني بالجودة هنا، تطابق المثيرات والمشبعات، تطابق المحفزات والتطمينات والترضيات. كانت نشاطات صدام جميعها تتم لصالح صدام الفرد. إن إتمام هذه الترضية لا صلة له بمقدار ما يفقده الآخر: عائلة، حزب، مجتمع. لأن ذلك كله يقع خارج محمية المستبد الفرد الذاتية.

العنف من الداخل الى الخارج

أما نشاطه السياسي العنفي الخارجي فمختلف تماما. مما لا شك فيه أنه يشبه النشاط الداخلي في عدوانيته وشراسته، لكنه يختلف عنه اختلافا جذريا في نتائجه. كان نجاح صدام حسين الداخلي يقابله دائما إخفاق خارجي. وكانت ضرباته الحاسمة الداخلية الموفقة الموجهة للأفراد والجماعات وحتى الكتل القومية والدينية الكبيرة تتسم بالنجاح، بينما كانت كل خطواته المتدفقة الى الخارج فاشلة، حتى خطواته العسكرية الاستعراضية: أحداث ايلول الأسود في الأردن عام 1971 مثلا. كان صدام يجيد تحقيق الفشل العنفي خارجيا بقدر ما كان يجيد اقتطاف النجاح داخليا. ولا يستبعد أن يكون أحد أهم مواضع مقتله هو الفشل في لعبة إدارة لعبة الخارج. لقد ظل صدام، حتى وهو في أعلى مراتب قوته السياسية، أقرب الى عقل النشّال المحلي منه الى اللص الدولي. سارق يجيد التخطيط لسرقة متجر أو مسكن أو حتى مصرف محلي كبير، لكنه يفشل في تبييض العملة المسروقة حينما ينقلها الى الخارج، ويفشل في سبل استثمار مسروقاته، لأنه لا يعرف نظام "البورصة"، ولا حركة العملات وتقلباتها ومن يقوم بها وكيف. تلك أمور معقدة لا يهتم بها صدام كثيرا، لذلك كان يتركها للمقربين منه، وفي أحيان كثيرة يتركها بيد غرباء، مجهولين، يثق بهم، لأنهم طوع بنانه. وكان هؤلاء الغرباء والمجهولون الموثوق بهم عينا مزدوجة، له وعليه. كان صدام على معرفة تامة بهذا الاحتمال، وكان يجيد المخاطرة واللعب به، حتى أضحى أحد أسباب مقتله المباشرة عند احتلال العراق. كان صدام يعرف جيدا الطبيعة المزدوجة لأعوانه الشخصيين المجهولين من تجار سلاح، وعاقدي صفقات، وبائعي معلومات وأسرار، ومبيّضي عملة. لكنه، ككل سياسي مصاب بالعزلة الداخلية، كان مرغما على القبول بالأمر، لدوافع نفعية وحسابات ربحية واعتبارات شخصية ومزاجية، وربما لوساوس نفسية أيضا. ولما كانت هذه الصفقات مخاطرة غير مضمونة الحساب، كان نصيبها النجاح أحيانا والفشل أحيانا كثيرة. لم تظهر هذه النشاطات على السطح إلا نادرا، حينما يتم انهاء بعض خيوطها بطريقة الداخل: التصفية الجسدية التي تعرض لها ذوو ارتباطات مالية وأمنية خفية بهذه الصفقات الخاصة.
لقد لجأ صدام حسين الى لعبة حاذقة – ظنها ناجحة – عند التعامل مع العامل الخارجي، قوامها الجمع بين قوانين اللعبة الخارجية والسلوك الداخلي إجرائيا: التخطيط الهادئ، الخفي، وإدارة التفاصيل وتنظيمها، ثم تحقيق الضربة النهائية الحاسمة والمفاجئة، المخطط لها سلفا، التي تبدو للعيان كما لو أنها وليدة اللحظة الراهنة. لكن الفشل كان حليفه دائما. لماذا؟ لأن قانون اللعبة الخارجية، الذي مارسه صدام، كان يقوم على افتراضات إجرائية خاطئة، قوامها نظرية تصعيد الدوافع العدوانية، ولكن في الموقع الخطأ، وضمن الشروط الخاطئة. لقد خطط صدام لغزو الكويت جيدا، لكنه لم يطرح على نفسه السؤال الجوهري: كيف ستختتم لعبة ما بعد الاقتحام العسكري الناجح؟ ومن صاحب النقلة الأخيرة في هذه اللعبة الكبيرة؟ كان صدام يدرك أن التعويل على طريقة الحسم الداخلي وحدها إجراء خاطئ تماما، لأن الخارج له ردود فعل مغايرة تماما، وما يصح تطبيقه على العراقي لن يواجه بالطريقة عينها في إيران أو الكويت، أو في مواجهة أميركا. فحالما تخرج الجيوش من حدودها الوطنية تتغير حسابات القوة تغيّرا جذريا. هنا يتطلب الأمر إعادة ترتيب للخطوات. كانت ضربات صدام الخارجية مذهلة في حجم النجاح الذي تحققه في خطواتها الأولى، وكان بعضها يشبه المعجزات العسكرية: احتلال المحمرة واحتلال الكويت الصاعقان، الخياليان، خير مثال. بيد أن النتائج كانت كارثية، ومذهلة أيضا: استسلام القوات الجماعي في المحمرة، والتدمير الجماعي في طريق الموت الكويتي، وسقوط بغداد المدهش.

من حافة الهاوية الى الهاوية

لغرض حل هذا الاشكال المعقد لجأ صدام الى نظرية ما يعرف بحافة الهاوية، التي تعني تصعيد النزاع الى أقصى سقوفه، والاحتفاظ بورقة أخيرة، تتيح له تغيير الموقف جذريا لصالح بقائه والحفاظ على وجوده في حالة الفشل، مع الاحتفاظ بشرف المواجهة، وشرف الصراع بمستويات عالمية، والتنافس المخيف في حده الأعلى، والضغط على الخصم حتى آخر لحظة، وانتزاع أقصى ما يمكن انتزاعه مقابل استسلام يشبه النصر، يمزج العنف بالخضوع، ويمزج العدوانية العالية الاستعراضية بالانكسار الداخلي المبطن.
إن دراسة الاختبارات التي دخلها صدام خارجيا تعلن بصراحة مطلقة فشله التام فيها جميعها، وأنه لم يحقق منها سوى الجانب المتعلق باستمرار بقائه ضعيفا، مفككا، مرتبكا. إن التصلف والغطرسة في المواجهة الخارجية تتضمن لديه - جوهريا - إحساسا دونيا بالقبول بالحد الأدنى: البقاء، ولا شيء غير البقاء، مهما يكن الثمن، حتى لو كان البقاء على عرش محترق، أو في حفرة مظلمة. ومن أبلغ آراء صدام حسين العسكرية المعلنة حول موضوع القوة والبقاء، ما صرح به في الأشهر السابقة للغزو الأميركي، حينما أجاب عن السؤال المتعلق بالسبل التي ينوي أن يسلكها لمواجهة التفوق الجوي والصاروخي الأميركي. أجاب ضاحكا بثقة مطلقة: التفوق الجوي الأميركي لم ينجح في فيتنام. وحينما أحس بهشاشة المقارنة، أضاف: الطائرات تدمر المنشآت وتقتل الناس، لكنها لا تسقط نظما. تلك هي قاعدة صدام العقلية، والحجر الأساسي في بناء نشاطه النفسي العدواني الموجه الى الخارج. لذلك قام صدام بتهجير طائراته كلها الى الخارج أو دفنها في الرمال، وأرسل بعضها الى عدوّه اللدود إيران، ولم يقم باستخدامها ولو استعراضا، أو انتحارا كما فعل اليابانيون في الحرب العالمية الثانية. كان صدام يفكر في أمر واحد: السلطة، والبقاء. وهذا يعني أن خلف كل ذلك الصلف والتحدي والعنجهية الشكلية توجد ذات استسلامية منكسرة، على معرفة تامة بحجم ضعفها ومهانتها، لا تنشط وهي تصعّد العنف الى أقصاه إلا لغرض واحد هو النزول الى القعر: نقطة البقاء. من صنع الديكتاتور إذاً، إذا كانت صفات العنف والخضوع وازدواج المشاعر العدوانية، مزروعة بهذا العمق في كيان الرجل المسير للعنف الاجتماعي؟ إن صدام صورة من صور تطور الازدواج السلوكي الذي نراه مطبوعا على نشاط الفرد النفسي، ولكن بطريقة مصعّدة ونموذجية.
إن نظرية حافة الهاوية، أي تصعيد المواجهة العدوانية الى أقصاها، لا تجوز في الحالة العراقية. لأسباب أهمها أن اللعب بسياسة حافة الهاوية، ممكن في حالة الصدام بين الاتحاد السوفياتي وأميركا حول قضية الصواريخ الكوبية مثلا، لكنه غير جائز في المجتمعات الضعيفة دوليا، لأن هذه المجتمعات لا تسيطر سيطرة تامة على قوانين إدارة اللعبة السياسية، جانبها الإقليمي والعالمي تحديدا. إن بعض أوراق اللعبة موجود لدى أطراف آخرين، ربما تكون هي الأقدر على لعبها في اللحظة المناسبة، والأقدر على الوصول بها الى نتيجة لا يتوقعها أحد، وعلى رأسهم من يغرق في وهم صناعة عملية التصعيد. ربما تكون نيات المُصعّد المتواضعة الرامية الى ابتزاز الخصم، لا تتضمن السقوط في الهاوية، لكنها ستكون كذلك حينما لا تكون يد المُصعّد ممسكة بالأوراق كلها بإحكام مطلق. وإمساك الأوراق مطلب خيالي وعسير في كثير من الحالات. لهذا السبب فشلت ورقة بريماكوف الأخيرة في مفاوضات الانسحاب من الكويت. لأن الاتحاد السوفياتي حينذاك كان ورقة خاسرة، إن لم يكن ورقة فارغة تماما، وظلت النقلة الأخيرة في رقعة الشطرنج السياسي محصورة بيد اللاعب الأكثر مهارة.
 لهذا السبب فشلت أيضا المساعي الرامية الى استسلام صدام خلال ثمان وأربعين ساعة، بناء على الشرط الذي وضعته أميركا قبل لحظة الغزو، الذي فهمه خطأ صدام أيضا. كان قرار بوش واضحا لا لبس فيه، يخلو من تعدد القراءات، وفق منطقه اللغوي والنفسي ذاته: "الاستسلام بدون قيد أو شرط، ومغادرة صدام وابنيه العراق، خلال ثمان وأربعين ساعة". كيف فهم صدام الساعات الثماني والأربعين الحاسمة؟
لقد فهمها إنطلاقا من شروط تصعيد الدوافع الموجودة في كيانه، في ذاته، في شخصه. وهي الشروط التي عرفها وخبرها ومارسها ونجح فيها نجاحا باهرا على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد داخليا. لكنه نسي أن يقرأها على ضوء الدوافع التي أملتها ذات من كتبها. هنا مكمن الخطأ: خلط الدوافع العدوانية، وقراءة الخارج بعيون داخلية. لم تكن أميركا هذه المرة تريد لطائراتها أن تهدم جسورا وبيوتا وبنايات فحسب، كانت تريد أبعد من ذلك. كانت تريد وطنا كاملا، غير منقوص. كانت النقلة الأخيرة، بيد القادمين من وراء الحدود وليست بيد من دفع العراق الى حافة الهاوية.

تنشيط الدوافع وتصعيدها عدوانيا

في الرابع عشر من آذار 2003 أوعزت أميركا الى سفيرها جون نغروبونتي سحب القرار الثاني، المتعلق بطلب الإذن من الأمم المتحدة لغرض القيام بعمل عسكري ضد العراق. سبب ذلك فشل بوش في إقناع بعض روساء العالم: بوتين وشرويدر وشيراك، كما أنه فشل في الحصول على إسناد من رئيسي المكسيك وتشيلي. لذلك وجدت إدارة بوش أن السير في هذا الدرب لا يوصل الى نتيجة سريعة، وأن مراهنة صدام على سياسة حافة الهاوية، ستنجح في ظل تعنت أميركا، ورفضها البديل الأوروبي القاضي بالاسقاط المتدرج للسلطة من الداخل، من طريق الإشراك المباشر للأمم المتحدة، بما في ذلك إشراك القوات الدولية في تقرير مصير الحكم باتفاق تام مع القوى العراقية المعارضة. كانت أميركا وصدام في سباق محموم، يُحسب بالدقائق وليس بالساعات. كانت أميركا ترى أن تفويت الفرصة التاريخية المتاحة بالاستيلاء التام على العراق عسكريا لن تكون ممكنة غدا، وما عليها سوى تنفيذها الآن، في هذه اللحظة، سواء أكانت بقرار دولي أم من دونه. غدا سيكون متأخرا، هكذا قال خبراء البنتاغون الذين رأوا تزايد حجم المعارضة العالمية للحرب، التي وصلت الى القارة الأميركية نفسها، الى درجة أن رئيسي تشيلي والمكسيك الحليفين، أضطرا الى رفض دعوة بوش الى إمرار قرار الحرب. كان التصويت في الأمم المتحدة على الصيغة الثانية قد حُسم برفض هذين الرئيسين. وكان لا بد من العمل بانفراد. من المثير هنا أن يكون صدام حسين نفسه، من طرفه، هو من كان يجر الحبل الى آخره، غابيا عليه أنه كان يلفه حول رقبته لمصلحة الاحتلال. كانت أميركا أمام لحظة لا تريد لها أن تفلت من يدها، وكان صدام ومعه المعارضة العراقية يعملان باتحاد تام، واستماتة، من أجل تحقيق الهدف الأميركي. كانت الإدارة الأميركية تعرف جيدا مفاتيح صدام حسين النفسية، وقد اختبرتها في غزو إيران، ومارستها السفيرة غلاسبي في غزو الكويت، ومارستها بواسطة غورباتشيوف في موضوع الانسحاب العراقي من الكويت والاستسلام، وهي تريد ممارستها الآن، بالطريقة ذاتها: الإفادة من التصلف والعنجهية الدعائية البطولية الفارغة، وجرّه الى التصعيد، ثم سحب الورقة الأخيرة منه فجأة، والقيام بالنقلة الأخيرة.
في مساء اليوم نفسه توجه جورج بوش الى قاعة "الصليب"- نلاحظ هنا الدلالة الرمزية للاسم - وألقى خطابه التأريخي القائل: "لقد عجز مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عن النهوض بمسؤولياته، فوجب علينا أن ننهض نحن بمسؤولياتنا... على صدام حسين وولديه أن يغادروا العراق في ثمان وأربعين ساعة وإن رفضهم القيام بذلك ستكون نتيجته مواجهة عسكرية نختار نحن توقيتها".
"نختار نحن توقيتها"! ثلاث كلمات حاذقة، ماهرة، مصممة تصميما دقيقا للتعامل الشعوري الفعّال والفوري مع النشاط الداخلي النفسي والانفعالي والعقلي لصدام حسين. "نختار نحن توقيتها" هي الرسالة النفسية ذاتها، التي منحتها السفيرة غلاسبي لصدام حينما عرض عليها فكرة العمل على انتزاع الحقوق بالطرق المناسبة، فأجابته بأنها ذاهبة فى إجازة. الديكتاتور الذي يملك أكبر ترسانة دمار شامل في التاريخ (!) يعرض علنا قرار غزو بلد صغير، على سفيرة الدولة المسؤولة الأولى والأخيرة عن حماية الكويت المهددة، فيكون جوابها: اسمح لي يا سيادة الرئيس بأن أتمتع بإجازتي المستحقة مع عائلتي! كيف فهم صدام تلك الإشارة على ضوء آليّاته النفسية والعقلية والشعورية؟ قالت له: نعم، افعل أيها الديكتاتور الأحمق، إذهب فورا الى المصيدة! هذا هو جواب غلاسبي، الذي فهمه صدام كالآتي: أنت بطل المنطقة، بما أنك تفعل بمشورتنا. ولم تخرج على هذا الحساب خطة غزو إيران، التي قامت على معطيات عسكرية محددة: الجيش الإيراني في أضعف حالاته، والمجتمع الإيراني في أحرج فترات انتقاله، والتكوينات العرقية في أعلى درجات تململها. لا توجد لحظة مثالية أفضل من هذه أمام إرادة عدوانية طامعة، تجيد خلط العنف بالخضوع: أي استخدام القوة لمسح لطخة معاهدة الجزائر، التي طأطأ فيها صدام رأسه للشاه صاغرا. هنا، في الخارج، لا تكون النتائج السياسية البعيدة لدى صدام هي الحكم على النجاح والفشل، كما اعتاد أن يراها وهو ينكّل بعراقيي الداخل، بل كان يرى النجاح في حسن استخدام الوسائل. لقد اندفع صدام في العمق الإيراني فوجد أن العرب في "عربستان" يواجهونه من بيت الى بيت كإيرانيين وطنيين، ووجد نفسه عدوا محتلا ممقوتا، حتى في شوارع المحمرة. هكذا يستقبل صدام الإشارات ويعيد صياغتها في مجرى النشاط العام، وبهذه الطريقة يقود الآخرون، اللاعبون بالورقة الأخيرة، عملية تصعيد الدوافع الصدامية المرضيّة، المستفزة.
فهم صدام جيدا أنه مطالب خلال ثمان وأربعين ساعة (لا أكثر) بأن يغادر العراق (تحديدا) هو وابناه (حصريا). الأمر واضح لا لبس فيه، مصوغ صياغة تنبيهية غير قابلة للتأويل على الإطلاق. ولكن. حينما نتأمل العبارة الأخيرة "نختار نحن توقيتها"، نكتشف أن البناء الصارم للزمن والمكان والأشخاص قد نسف من أساسه. في هذه العبارة كمن موت صدام. إن وجود تأويل مبيّت مقصود في الجملة الأخيرة هو الذي سمح لصدام بأن يستخدم مخيلته وخبراته العاطفية وتقاليده الشعورية والعقلية المعتادة، وبأن يستخدم أخطاءه القاتلة وهو يعيد قراءءة عبارة بوش الأخيرة مرة تلو الأخرى. فهذه العبارة تتيح لقارئها إمكان تفسيرها بأكثر من وجه، وهنا تكمن رسالة غلاسبي: متى يتم اختيار المواجهة؟ لقد واجهت أميركا العراق عام 1991 ووصلت جيوشها الى الفرات، وانتهت المواجهة بقمع الانتفاضة الشعبية أمام أنظار قادة المواجهة الدولية. واليوم تبدأ مواجهة جديدة: كيف تنتهي هذه المواجهة، وأين؟ يقول صدام لولديه ولنفسه: الطائرات لا تسقط نظما. ذلك اليقين هو أول خيط مكشوف في النشاط العقلي المضطرب، أما الخيط الثاني، الأهم، فهو السؤال القدري الكبير: متى تبدأ المواجهة؟ هذا أمر في علم الغيب، يستطيع المرء اللعب به على هواه. على تلك الإشارات يستند صدام في بناء نشاطاته السلوكية، التي لا تعني لديه سوى: المحافظة على وجوده، حتى لو كان من طريق الاختباء في حفرة تحت الأرض.
كانت الإدارة الأميركية قد حددت بدقة بالغة صيغة تهديدها بإشاراته الرمزية، وتوقيتاته الميدانية: يبدأ التنفيذ منذ اللحظة التي يُلقى فيها الخطاب، بينما فهم صدام الأمر على أنه تهديد مؤجل. كان صدام يقرأ نفسه، ولم يقرأ خطاب بوش الموجه اليه قط.
بهذه الطريقة كان صدام يقوم بإدارة نشاطاته النفسية والعقلية، ويحولها نشاطات سياسية واجتماعية، تخرجها من طبيعتها الفردية العصابية، الى صيغة اجتماعية ودولية تقرر بها مصير شعب كامل، وشعوب كاملة في أحيان أخرى.
حكام كثر، صغار وكبار، يحملون جرثومة التصعيد العدواني الممزوج بالخضوع المذلّ: القذافي، علي عبدالله صالح، محمود عباس، المالكي، علاوي، القيادات الكردية في العراق وغيرهم.
إن العلاقة بين الخضوع والعنف معقدة ومركبّة، لا تُرى بسهولة، وقد يظنها كثيرون مجرد ألفاظ يصنعها كتّاب مترفون، لكنها حقيقة جارحة موجودة في الواقع اليومي، الواقع الذي أنتج الديكتاتور وأنتجنا .
عن "النهار"